سلط باحثون، مساء يوم الثلاثاء بكلميم، الضوء على دور منطقة واد نون في تجذير العمق الإفريقي للمغرب باعتبار موقعها الجغرافي الذي جعلها صلة وصل تاريخية بين المغرب ودول إفريقيا جنوب الصحراء.

وأبرز الباحثون، خلال ندوة علمية حول “واد نون والعمق الإفريقي..تفاعل تاريخي وحضاري مشترك” نظمت ضمن برنامج الدورة السابعة لمهرجان أسبوع الجمل الذي تتواصل فعالياته إلى غاية 28 يوليوز، الدور الطلائعي الذي امتازت به هذه المنطقة في تنظيم القوافل التجارية ومد خيوطها شمالا وجنوبا عبر عدة مراكز ومحطات ساهمت في انسياب التجارة وتوطيد وشائج المملكة مع امتدادها الإفريقي.

وركزت الأستاذة والباحثة في مجال التصوف بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة ابن زهر بأكادير، لطيفة شراس، في مداخلتها، على أهمية العامل الديني في تدعيم العلاقات بين المغرب وبلدان إفريقيا جنوب الصحراء، لاسيما من خلال الزوايا الصوفية وتبادل الزيارات بين الصلحاء وتأسيس مراكز ومدارس لتلقين علوم السلوك والتدين.

وأوضحت، في هذا الإطار، الدور الذي اضطلعت به الزاوية التيجانية على الخصوص التي نجحت في إقامة تواصل ديني مستمر وقوي بين المغرب ودول غرب إفريقيا، مشيرة إلى أن العلاقات بين المملكة ودول القارة توطدت عموما بسبب ثلاثة عوامل هامة.

ويتمثل العامل الأول، حسب الأستاذة شراس، في المنافع التجارية المتبادلة القائمة تاريخيا بين الطرفين، ويتصل العامل الثاني بانتشار المراكز العلمية والدور الذي لعبه بعض الصلحاء والرموز الدينية والدعاة والعلماء المغاربة في نشر النموذج الديني للمملكة، فيما يتعلق العامل الثالث بالسلوك الروحي المعروف بالتصوف الذي يبقى من أقوى حلقات التواصل بين المغرب وإفريقيا.

وترى الباحثة في ميدان التصوف أنه على خلاف بعض المناهج الغربية التي تركز على الجانب النفعي المصلحي الصرف في تحليل الروابط التاريخية بين المغرب وإفريقيا، هناك ثلة من الباحثين، أفارقة وأجانب، أثبتوا بجدارة هيمنة العامل الديني والصوفي بالخصوص في رسم معالم العلاقات التاريخية التي جمعت المملكة بعمقها الإفريقي.

من جانبه، اهتم محمد بوزنكاص، الأستاذ بالكلية ذاتها والمختص في تاريخ وثقافة الصحراء، أكثر ب”الشرط المادي” الذي مكن حاضرة واد نون من لعب دور حاسم في حركية العلاقات بين المغرب وإفريقيا متمثلا (أي الشرط المادي) في النشاط التجاري.

فهذا النشاط التجاري الذي كانت تستفيد منه حاضرة واد نون بحكم موقعها الجغرافي الذي جعل منها محطة إجبارية لجميع القوافل، هو الذي مكنها، في نظر الباحث، من لعب أدوار ثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية هامة في ترسيخ حضور المغرب جنوبا.

ويرى بوزنكاص أن هذا النشاط التجاري كان أيضا سببا واضحا في تحويل واد نون ذاتها إلى حاضرة، أي إلى تأسيس مدن وأسواق ومواسم كلها مرتبطة بحركة التجارة، كما مكنها من الاستمرار في الوجود كحاضرة قوية بفضل تواصل تدفق الحركة التجارية عبرها.

في الإطار ذاته، أكد متدخلون آخرون أن التنوع في الموارد والمؤهلات التي حظيت بها منطقة واد نون عبر التاريخ أهلها لأن تكون فضاء للتعايش البشري ولاستقرار مختلف المكونات القبلية عربية كانت أو أمازيغية، فضلا عن بعض العناصر اليهودية والأوربية، معتبرين أن هذا التمازج البشري والاستقرار المادي مكنها من توطيد أواصر الصلات الروحية والاقتصادية مع بلدن غرب إفريقيا على الخصوص.